وفي الجنةِ درجاتٌ لا يبلغها العبدُ بكثرة ركوعه وسجوده، ولا يحوزها بصيامٍ ولا بطول قيام، ولكن ينالها أهلُ القلوب المطمئنة؛ الذين إذا ضاق عليهم رزقُهم لم يتسخّطوا، وإذا نزل بهم البلاءُ لم يجزعوا..
عرفوا ربهم في الرخاء، فثبّت قلوبَهم في الشدة، ورضوا بما قسم لهم، فلم ينازعوا أقداره، ولم يرهقوا أنفسهم بحسد ولا بسخط ولا مقارنات..
الذين رضوا فأرضاهم الله؛ قلوبُهم سليمة، وصدورُهم لا تحمل ضغينة، يعرفون أن ما كتبه الله لهم لن يأخذه غيرهم، فيتركون الجدالَ لمن أحبّه، ويؤثرون السلامَ على الخصام، ويمشون بين الناس بوجوهٍ طيبةٍ وكلمةٍ لينة، لا يردّون السيئةَ بمثلها، ولا يحملون في قلوبهم رغبةً في الانتقام، ويختارون العفوَ وإن قدروا، ويصفحون وإن جُفوا، لأنهم يدركون أن الله يحبّ المحسنين...
الذين يعلمون أن سلامة القلب عبادة، وأن الله يرفع صاحبَه درجاتٍ لا يبلغها كثيرُ العمل، فيتعاملون مع الخلق برفقٍ، ومع أنفسهم برحمة، ومع أقدار الله برضا، فيمنحهم الله الطمأنينة، ويجعل لهم في القلوب وِدًّا، وفي الأرض نورًا، وفي الآخرة درجاتٍ لا يعلمها إلا هو.